محمد الغزالي

332

فقه السيرة ( الغزالي )

ودعا الناس إلى مبايعته ، وكان تحت شجرة متشابكة الغصون ، فهرع أصحابه إليه يبايعونه على الموت ، أو على ألايفروا . حدّث جابر بن عبد اللّه بعد ما كفّ بصره قال : قال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الحديبية : « أنتم خير أهل الأرض » ، وكنّا ألفا وأربعمئة ، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة « 1 » . وروي عن جابر : أنّ عبد الحاطب جاء يشكوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويقول : ليدخلنّ حاطب النار ، فقال له الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « كذبت ، لا يدخلها ، شهد بدرا والحديبية « 2 » » ، وتسمّى هذه البيعة ( بيعة الرضوان ) إشارة لقول اللّه في أصحابها : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) [ الفتح ] . وقد قطعت الشجرة ونسي مكانها ، وذلك خير ، فلو بقيت لضربت عليها قبة وشدّت إليها الرحال ، فإنّ الرعاع سراع التعلق بالمواد والآثار التي تقطعهم عن اللّه . عن طارق بن عبد الرحمن : انطلقت حاجّا ، فمررت بقوم يصلّون ، فقلت : ما هذا المسجد ؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع النبيّ عليه الصلاة والسلام بيعة الرضوان . فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته ، فقال سعيد : حدثني أبي أنّه كان فيمن بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت الشجرة ، قال : فلمّا كان العام المقبل نسيناها ، فلم نقدر عليها ، ثم قال سعيد : إنّ أصحاب محمد لم يعلموها ! وعلمتموها أنتم ؟ ! فأنتم أعلم ! . وعند أخذ البيعة من المسلمين ضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى وقال : « هذه لعثمان » « 3 » . على أنّ عثمان لم يطل احتباسه ، فإنّ قريشا جزعت أن تصيبه بأذى وهو من سرواتها بمكان ، وسارعت إلى بعث ( سهيل بن عمرو ) ليعقد مع محمّد صلحا . ولم يكن يعنيها في هذا الصلح إلا أن يرجع المسلمون هذا العام ، على أن

--> ( 1 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 357 . ( 2 ) صحيح ، أخرجه مسلم : 7 / 169 ، وتصديره ب ( روي ) يشعر بضعفه ؛ فليحذف . ( 3 ) صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 291 .